جيرار جهامي ، سميح دغيم
828
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس ، فكذلك ذو الجاه هو الذي يملك قلوب الناس ، أي يقدر على أن يتصرّف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه ومآربه . ( الغزالي ، علوم الدين 3 ، 295 ، 7 ) . - صاحب الجاه يطلب الطاعة طوعا ويبغي أن تكون له الأحرار عبيدا بالطبع والطوع ، مع الفرح بالعبوديّة والطاعة له ، فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرقّ بكثير . فإذا معنى الجاه : قيام المنزلة في قلوب الناس ، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه ، فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهم ، وبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه . فهذا هو معنى الجاه وحقيقته . ( الغزالي ، علوم الدين 3 ، 295 ، 16 ) . - إنّ الجاه مفيد للمال ، وذلك أنّا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه . والسبب في ذلك أنّ صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرّب بها إليه في سبيل التزلّف والحاجة إلى جاهه . والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت ، ويزداد مع الأيّام يسارا وثروة . ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدّمناه . وفاقد الجاه بالكليّة ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه ؛ وهؤلاء هم أكثر التجّار ؛ ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير . ومما يشهد لذلك أنّا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا ، وحسن الظنّ بهم ، واعتقد الجمهور معاملة اللّه في إرفادهم ، فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم ، أسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى ، إلّا ما يحصل لهم من قيم الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 919 ، 9 ) . - إنّ الجاه متوزّع في الناس ومترتّب فيهم طبقة بعد طبقة : ينتهي في العلوّ إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية ؛ وفي السفل إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعا بين أبناء جنسه ؛ وبين ذلك طبقات متعدّدة : حكمة اللّه في خلقه ، بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتمّ بقاؤهم . لأنّ النوع الإنسانيّ لا يتمّ وجوده وبقاؤه إلّا بتعاون أبنائه على مصالحهم ؛ لأنّه قد تقرّر أن الواحد منهم لا يتمّ وجوده إلّا بالتعاون ؛ وإنه إن ندر فقد ذلك في صورة مفروضة لا يصحّ بقاؤه . ثمّ إنّ هذا التعاون لا يحصل إلّا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ، ولما جعل لهم من الاختيار ، وأنّ أفعالهم إنّما تصدر بالفكر والرويّة لا بالطبع ، وقد يمتنع من المعاونة فيتعيّن حمله عليها . فلا بدّ من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم ، لتتمّ الحكمة الإلهيّة في بقاء هذا النوع . . . فقد تبيّن أنّ الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرّف فيمن تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلّط بالقهر والغلبة ، ليحملهم على دفع مضارّهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة ، وعلى أغراضه